أحمد بن علي القلقشندي
264
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
الحمد للَّه الذي أعزّ السّيف وشرّف القلم ، وأفردهما برتب العلياء فقرن لهما بين المجد والكرم ، وساوى بينهما في القسمة فهذا للحكم وهذا للحكم . أحمده على أن جمع بخير أمير بعد التّفرّق شملهما ، ووصل بأعزّ مليك بعد التّقاطع حبلهما ، وأرغب إليه بشكر يكاثر النجوم في عديدها ، ويكون للنّعمة على ممرّ الزّمان أبا يزيدها ، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له شهادة يأتمّ الإخلاص بمذهبها ، ولا ينجو من سيفها إلا من أجاب داعيها وأقرّبها ، وأن محمدا عبده ورسوله الذي خصّ بأشرف المناقب وأفضل المآثر ، واستأثر بالسؤدد في الدّارين فحاز أفخر المعالي ونال أعلى المفاخر ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين قامت بنصرتهم دولة الإسلام فسمت بهم على سائر الدّول ، وكرعت في دماء الكفر سيوفهم فعادت بخلوق النّصر لا بحمرة الخجل ، صلاة ينقضي دون انقضائها تعاقب الأيام ، وتكلّ ألسنة الأقلام عن وصفها ولو أنّ ما في الأرض من شجرة أقلام . وبعد ، فإنّه ما تقارب اثنان في الرّتبة إلا تحاسدا ، ولا اجتمعا في مقام رفعة إلا ازدحما على المجد وتواردا ، ورام كلّ منهما أن يكون هو الفائز بالقدح المعلَّى ، وأن يكون مفرقه هو المتوّج وجيده هو المحلَّى ، وادّعى كلّ منهما أن جواده هو السابق في حلبة السّباق ، والفائز بقصب السّبق بالاتّفاق ، وأن نجمه هو الطالع الذي لا يأفل ، وسؤدده هو الحاكم الذي لا يعزل ، وأن المسك دون عبيره ، والبحر لا يجيء نقطة في غديره ، والدّرّ لا يصلح له صدفا ، ونفيس الجوهر لا يعادله شرفا ، وأن منابر المعالي موقوفة على قدمه ، ومجامر المفاخر فائحة بنشر كرمه . ولمّا كان السّيف والقلم قد تدانيا في المجد وتقاربا ، وأخذا بطرفي الشّرف وتجاذبا ؛ إذ كانا قطبين تدور عليهما دوائر الكمال ، وسعدين يجتمعان في دائرة الاعتدال ، ونجمين يهديان إلى المعالي ، ومصباحين